ماكس فرايهر فون اوپنهايم

139

من البحر المتوسط إلى الخليج

يطلق في العهد الساساني على السحرة وغيرهم من المنشقين عن الدين السائد ، وأعلنت عليهم حرب لا هوادة فيها . ولذلك لجأ هؤلاء المتعصبون إلى العمل في السر وأصبحوا بالتالي أشد خطورة . نشأت هذه الحركات في البداية ، كما ذكرنا ، على الأرض الفارسية ولكن شيئا فشيئا تخلصت من طابعها المعادي للإسلام ثم من عدائها للعرب أيضا . وهكذا حفل بلاط الخلافة العباسية بالعديد من المستشارين ورجال الدولة غير العرب . وشيئا فشيئا أصبحوا هم الحكام الفعليون وأصبح دور الخليفة يقتصر على السلطة الدينية . ولكن هذا المظهر الأخير من مظاهر السلطة كان الزنادقة يريدون نزعه عن الخليفة . وساعدهم على تنفيذ مآربهم الوضع الاقتصادي الصعب الذي شهدته الدولة العباسية . في هذه الظروف نشأت وانتشرت فكرة المهدي ( المنقذ أو المخلّص ) التي تقول إن الخليفة الحقيقي المختار من اللّه سيظهر في يوم من الأيام من السلالة المباشرة لعلي ويؤسس على الأرض حكما يقوم على العدل والمساواة . هذه الفكرة التي لم تزل حتى يومنا هذا تحرض في بلدان مختلفة وفي أزمان مختلفة الجماهير المستاءة من الوضع القائم ، وسبّبت وتتسبب في سقوط ممالك ونشوء ممالك جديدة ، جعلت الزنادقة ، عند انهيار السلطة العباسية في فارس ، يحصلون على الدوام هناك ، وأيضا في العراق والمناطق العربية الأخرى ، على أنصار جدد « 1 » . في هذه الأثناء كان العلويون أنفسهم قد انشقوا ، لكنهم كانوا يلتفون عموما حول اتجاهين رئيسيين : الأول يعتبر الإمام الثاني عشر المهدي المنتظر بينما يرى الثاني أن الإمام السابع هو المهدي المنتظر . ويقصد بكلمة « إمام » بهذا المعنى أولئك الأشخاص الذين يحق لهم وحدهم خلافة النبي محمد في « حكم المسلمين » وهم بالتحديد علي بن أبي طالب ، ابن عم النبي وزوج ابنته ، ثم ولداه الحسن والحسين وأبناء الحسين وأحفاده من بعده .

--> ( 1 ) تجدر الإشارة إلى أن العباسيين أنفسهم استفادوا في بداية الأمر من فكرة المهدي واستثمروها لصالحهم . انظر غ . فان فلوتن ، تاريخ العباسيين ، لا يبزيغ 1898 م ( مجلة الجمعية الجغرافية ) .